الرئيسية / اخبار محلية / سماحة المفتي … الشيخ الذي حرس المنبر ونامت بغداد تحت ظِلال دعائه

سماحة المفتي … الشيخ الذي حرس المنبر ونامت بغداد تحت ظِلال دعائه


لم تكن بغداد يوماً بحاجة إلى صوتٍ مطمئن كما احتاجته في سنوات النار.
سنوات انكسر فيها الجدار، واهتزت الأرض تحت أقدام العراقيين، وتدحرج وطن كامل على حافة السقوط…
وفي تلك اللحظة التي ظنّ الجميع أنّ الظلام سيبتلع النور، بقي سماحة مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور مهدي بن أحمد الصميدعي شامخاً، بصوته وثباته وموقفه.

في قلب العاصمة، عند أمّ الطبول، حيث ارتفعت المآذن قبل أن تعرف بغداد معنى الحرب، وقف الشيخ الصميدعي لا ليدير جامعاً فحسب، بل ليحرس ذاكرة مدينة.
حاولت الرياح السياسية أن تعصف بالمكان، وترددت أحاديث عن خلافات ونقل ملكية ومحاولات لإدخال الجامع في دهاليز القرار والمال والنفوذ… لكن الرجل كان يرى شيئاً واحداً فقط:

الجامع ليس جداراً من إسمنت… بل روح أمة.

حافظ على أرضه كما يحافظ الأب على إرث جدّه؛
حافظ عليه بصلابة الموقف لا بضجيج الخصومة،
فلم يشتم، ولم يهاجم، ولم يجعل المنبر ساحة معركة سياسية.
بل اكتفى بأن بقي هناك… واقفاً.


حين صار أمّ الطبول خيمةً لوطن

وحين اجتاحت الأنبار والموصل وسنجار جحافل السواد،
وحين خرج الفقراء من بيوتهم حفاةً يحملون أطفالهم ودموعهم،
لم يُقفل باب الجامع.
كان هناك فراش، وخبز، وغطاء…
وكان هناك قلبٌ يسع العراق كله.

تحول المكان إلى مستشفى للعزاء، وكنف للنازحين، ومطبخ يومي للكارثة.
ومن منبره انطلقت صيحة الدفاع عن الأرض،
فتوى واجهت الانهيار وصنعت التوازن،
تزامنت مع فتوى المرجعية في النجف، فكان الصوتان كجناحين لوطن يحاول الطيران فوق الركام.

لم يعرف المنبر عنده لوناً ولا طائفة ولا حزباً.
كان صوتاً متحداً للجميع،
وكان الشيخ يرفع سبابته لا ليلعن خصماً…
بل ليدعو:

“احفظوا العراق… لا تجعلوه غنيمة ولا ساحة حرب.”


جامع أم الطبول… حين يصبح المئذنة التي لا تنحني

تآمرت الظروف، واختلفت السلطات، وتشابكت المصالح،
لكن الجامع بقي.
بقي لأنه لم يكن مجرد بناء،
بل كان معنى.

ومَن يحرس المعنى… لا تهزّه الرياح.

لقد كان سماحة المفتي الصميدعي صوت الاعتدال في زمن الانقسام،
وحين كان البعض يصنع من الدين جداراً للفرقة،
حوّله هو إلى جسر…
جسر عبره الناس من خوف التمزّق إلى أمان الوحدة.


قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين المواقف والروايات،
لكن الثابت أنّ بغداد عرفت في أكثر أيامها صعوبة رجلاً
لم يترك المنبر يسقط، ولم يسمح للراية أن تُطوى.

كان الشيخ مهدي الصميدعي حارساً لبيت الله،
وحارساً لوحدة الناس،
ورجلاً بقي واقفاً حين تعب الواقفون.

ولولا تلك المآذن التي ظلّت تصدح بالدعاء،
لربما نامت بغداد ليلةً أطول من أن يطلع عليها صباح.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الكابتن حكيم شاكر… من الميدان الرياضي إلى ميادين البناء والإعمار 🇮🇶

حين يُذكر اسم حكيم شاكر، يتبادر إلى الأذهان رجل حمل راية العراق في أصعب الظروف، ...